فصل: شهر جمادى الآخرة فيه حضر فرمان من الدولة

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تاريخ الجبرتي المسمى بـ «عجائب الآثار في التراجم والأخبار» **


 شهر جمادى الآخرة فيه حضر فرمان من الدولة

بنفي أربعة أغوات وهم عريف آغا وعلي آغا وإدريس آغا واسمعيل آغا فحنق لذلك جوهر آغا دار السعادة وشرع في كتابة مرافعة‏.‏

وفي عاشره وصل فرمان لاسمعيل كتخدا وخوطب فيه بلفظ الوزارة‏.‏

وفي يوم الأحد عمل اسمعيل باشا المذكور ديوانًا في بيته بالأزبكية وحضر الأمراء والمشايخ وقرأوا المكاتبة وفيها الأمر بحساب عابدي باشا وبعد انفضاض الديوان أمر الروزنامجي والأفندية بالذهاب الى عابدي باشا وتحرير حساب الستة أشهر من أول توت الى برمهات لأنها مدة اسمعيل باشا وما أخذه زيادة عن عوائده وأخذ منه الضربخانة وسلمها الى خازنداره وقطعوا راتبه من المذبح‏.‏

وفي عصريتها أرسل الى الوجاقلية والاختيارية فلما حضروا قال لهم اسمعيل باشا بلغني أنكم جمعتم ثمانمائة كيس فما صنعتم بها فقالوا دفعناها الى عابدي باشا وصرفها على العسكر‏:‏ فقال‏:‏ لأي شيء قالوا لقتل العدو قال والعدو قتل قالوا لا قال حينئذ إذا احتاج الحال ورجع العدو أطلب منكم كذلك قدرها قالوا ومن أين لنا ذلك قال إذًا اطلبوها منه واحفظوها عندكم في باب مستحفظان لوقت الاحتياج‏.‏

وفيه تواترت الأخبار باستقرار ابراهيم بك بمنفلوط وبنى له بها دارًا وصحبته أيوب بك وأما مراد بك وبقية الصناجق فإنهم ترفعوا الى فوق‏.‏

وفي يوم الاثنين حضر حسن كتخدا الجربان من الروم وكان اسمعيل بك أرسل يتشفع في حضوره بسعاية محمد آغا البارودي وعلى أنه لم يكن من هذه القبيلة لأنه مملوك حسن بك أبي كرش وحسن بك مملوك سليمان آغا كتخدا الجاويشية ولما حضر أخبر أن الأمراء الرهائن أرسلوهم الى شنق قلعة منفيين بسبب مكاتبات وردت من الأمراء القبالي الى بعض متكلمين الدولة مثل القزلار وخلافه بالسعي لهم في طلب العفو فلما حضر حسن باشا وبلغه ذلك نفاهم وأسقط رواتبهم وكانوا في منزله أعزاز ولهم رواتب وجامكية لكل شخص خمسمائة قرش في الشهر‏.‏

وفي عشرينه تحرر حساب عابدي باشا فطلع لاسمعيل باشا نحو ستمائة كيس فتجاوز له عن نصفها ودفع له ثلثمائة كيس وطلع عليه لطرف الميري نحوها أخذوا بها عليه وثيقة وسامحه الأمراء من حسابهم معه وهادوه وأكرموه وقدموا له تقادم وأخذ في أسباب الارتحال والسفر وبرز خيامه الى بركة الحج‏.‏

وفي أواخره ورد الخبر مع السعاة بوصول الأطواخ لاسمعيل باشا واليرق والداقم الى ثغر الاسكندرية‏.‏

في ثالثه يوم الاثنين سافر عابدي باشا من البر على طريق الشام الى ديار بكر ليجمع العساكر الى قتال الموسقو وذهب من مصر بأموال عظيمة وسافر صحبته اسمعيل باشا الأرنؤدي وأبقى اسمعيل باشا من عسكر القليونجية والأرنؤدية من اختارهم لخدمته وأضافهم إليه وفي عاشره وصلت الأطواخ والداقم الى الباشا فابتهج لذلك وأمر بعمل شنك وحراقة ببركة الأزبكية وحضر الأمراء الى هناك ونصبوا صواري وتعاليق وعملوا حراقة ووقدة ليلتين ثم ركب الباشا في صبح يوم الجمعة وذهب الى مقام الإمام الشافعي فزاره ورجع الى قبة العزب خارج باب النصر ونودي في ليلتها على الموكب فلما كان صبح يوم السبت خامس عشره خرج الأمراء والوجاقلية والعساكر الرومية والمصرلية واجتمع الناس للفرجة وانتظم الموكب أمامه وركب بالشعار القديم وعلى رأسه الطلخان والقفطان الأطلس وأمامه السعاة والجاويشية والملازمون وخلفه النوبة التركية وركب أمامه جميع الأمراء بالشعار والبيلشانات بزينتهم ونظامهم القديم المعتاد وشق القاهرة في موكب عظيم ولما طلع الى القلعة ضرب له المدافع من الأبراج وكان ذلك اليوم متراكم الغيوم وسح المطر من وقت ركوبه الى وقت جلوسه بالقلعة حتى ابتلت ملابسه وملابس الأمراء والعسكر وحوائجهم وهم مستبشرون بذلك وكان ذلك اليوم خامس برمودة القبطي‏.‏

وفي يوم الثلاثاء عمل الديوان وطلع الأمراء والمشايخ وطلع الجم الكثير من الفقهاء ظانين وطامعين في الخلع فلما قرئ التقرير في الديوان الداخل خلع على الشيخ العروسي والشيخ البكري والشيخ الحريري والشيخ الأمير والأمراء الكبار فقط ثم أن اسمعيل بك التفت الى المشايخ الحاضرين وقال تفضلوا يا أسيادنا حصلت البركة فقاموا وخرجوا‏.‏

وفي يوم الخميس عشرينه أمر الباشا المحتسب بعمل تسعيرة وتنقيص الأسعار فنقضوا سعر اللحم نصف فضة وجعلوا الضاني بستة أنصاف والجاموسي بخمسة فشح وجوده بالأسواق وصاروا يبيعونه خفية بالزيادة ونزل سعر الأردب الغلة الى ثلاثة ريال ونصف بعد تسعة ونصف‏.‏

وفي يوم الخميس ثامن عشرينه ورد مرسوم من الدولة فعمل الباشا الديوان في ذلك اليوم وقرأوه وفيه الأمر بقراءة صحيح البخاري بالأزهر والدعاء بالنصر للسلطان على الموسقو فإنهم تغلبوا واستولوا على قلاع ومدن عظيمة من مدن المسلمين وكذلك يدعون له بعد الأذان في كل وقت وأمر الباشا بتقرير عشرة من المشايخ من المذاهب الثلاثة يقرأون البخاري في كل يوم ورتب لهم في كل يوم مائتين نصف فضة لكل مدرس عشرون نصفًا من الضربخانة ووعدهم بتقريرها لهم على الدوام بفرمان‏.‏

وفي يوم الأحد حضر الشيخ العروسي والمشايخ وجلسوا في القبلة القديمة جلوسًا عامًا وقرأوا أجزاء من البخاري واستداموا على ذلك بقية الجمعة وقرر اسمعيل بك أيضًا عشرة من الفقهاء كذلك يقرأون أيضًا البخاري نظيرًا لعشرة الأولى وحضر الصناع وشرعوا في البياض والدهان وجلاء الأعمدة وبطل ذلك الترتيب‏.‏

شهر شعبان المكرم في ثانيه نودي بإبطال التعامل بالزيوف المغشوشة والذهب الناقص وأن الصيارفة يتخذون لهم مقصات يقطعون بها الدراهم الفضة المنحسة وكذلك الذهب المغشوش الخارج وإذا كان الدينار ينقص ثلاثة قراريط يكون بطالًا ولا يتعامل به وإنما يباع لليهود الموردين بسعر المصاغ الى دار الضرب ليعاد جديدًا فلم يمتثل الناس لهذا الأمر ولم يوافقوا عليه واستمروا على التعامل بذلك في المبيعات وغيرها لأن غالب الذهب على هذا النقص وأكثر وإذا بيع على سعر المصاغ خسروا فيه قريبًا من النصف فلم يسهل بهم ذلك ومشوا على ما هم عليه مصطلحون فيما بينهم‏.‏

وفي أوائله أيضًا تواترت الأخبار بموت السلطان عبد الحميد حادي عشر رجب وجلوس ابن أخيه السلطان مصطفى مكانه وهو السلطان سليم خان وعمره نحو الثلاثين سنة وورد في أثر الإشاعة صحبة التجار والمسافرين دراهم وعليها اسمه وطرته ودعى له في الخطبة أول جمعة في شعبان المذكور‏.‏

وفي يوم الثلاثاء تاسعه حضر علي بك الدفتردار من ناحية دجوة وسبب ذهابه إليها أن أولاد حبيب قتلوا عبد العلي بك بمنية عفيف بسبب حادثة هناك وكان ذلك العبد موصوفًا بالشجاعة والفروسية فعز ذلك على علي بك فأخذ فرمانًا من الباشا بركوبه على أولاد حبيب وتخريب بلدهم ونزل إليهم وصحبته باكير بك ومحمد بك المبدول وعندما علم الحبايبة بذلك وزعوا متاعهم وارتحلوا من البلد وذهبوا الى الجزيرة فلما وصل علي بك ومن معه الى دجوة لم يجدوا أحدًا ووجدوا دورهم خالية فأمروا بهدمها هدموا مجالسهم ومقاعدهم وأوقدوا فيها النار وعملوا فردة على أهل البلد وما حولها من البلاد وطلبوا منهم كلفًا وحق طرق وتفحصوا على ودائعهم وأمانتهم وغلالهم في جيرة البلاد مثل طحلة وغيرها فأخذوها وأحاطوا بزرعهم وما وجدوه بالنواحي من بهائمهم ومواشيهم ثم تداركوا أمرهم وصالحوه بسعي الوسائط بدراهم ودفعوها ورجعوا الى وطنهم ولكن بعد خرابها وهدمها‏.‏

وفيه أرسل الباشا سلحدار بخطاب للأمراء القبالي يطلب منهم الغلال والمال الميري حكم الاتفاق‏.‏

في رابعه وصل الى مصر آغا معين بإجراء السكة والخطبة باسم السلطان سليم شاه فعمل الباشا ديوانًا وقرأ المرسوم الوارد بذلك بحضرة الجمع والسبب في تأخيره لهذا الوقت الاهتمام بأمر السفر واشتغال رجال الدولة بالعزلة والتولية وورد الخبر أيضًا بعزل حسن باشا من رياسة البحر الى رياسة البر وتقلدا الصدارة وتولى عوضه قبطان باشا حسين الجردلي وأخبروا أيضًا بقتل بستحي باشا‏.‏

وفي أوائله أيضًا فتحوا ميري سنة خمسة مقدمة بعجلة‏.‏

وفي أواخره حضر عثمان كتخدا عزبان من الديار الرومية وبيده أوامر وفيها الحث على محاربة الأمراء القبالي والخطاب للوجاقلية وباقي الأمراء بأن يكونوا مع اسمعيل بك بالمساعدة والإذن لهم بصرف ما يلزم صرفه من الخزينة مع تشهيل الخزينة للدولة وفي عاشره وصل ططري وعلى يده أوامر منها حسن عيار المعاملة من الذهب والفضة وأن يكون عيار الذهب المصري تسعة عشر قيراطًا ويصرف بمائة وعشرين نصفًا بنقص أربعة أنصاف عن الواقع في الصرف بين الناس والاسلامبولي بمائة وأربعين وينقص عشرة والفندقلي بمائتين بنقص خمسة والريال الفرانسة بمائة بنقص خمسة أيضًا والمغربي بخمسة وتسعين بنقص خمسة أيضًا وهو المعروف بأبي مدفع والبندقي بمائتين وعشرة بنقص خمسة عشر فنزل الآغا وفي غايته خرج أمير الحاج غيطاس بك بالمحمل وركب الحجاج‏.‏

وفي منتصف شهر القعدة الموافق لعاشر مسرى القبطي أو في النيل المبارك أذرع الوفاء ونزل الباشا الى فم الخليج وكسر السد بحضرته على العادة وانقضى هذا العام بحوادثه وحصل في هذه السنة الازدلاف وتداخل العام الهلالي في الخراجي ففتحوا طلب المال الخراجي القابل قبل أوانه لضرورة الاحتياج وضيق الوارد بتعطيل الجهة القبلية واستيلاء الأمراء الخارجين عليها ووجه اسمعيل بك الطلب من أول السنة بباقي الحلوان الذي قرره حسن باشا ثم المال الشتوي ثم الصيفي وفي أثناء ذلك المطالبة بالفرد المتوالية المقررة على البلاد من الملتزمين ووجه على الناس قباح الرسل والمعينين من السراجين والدلاة وعسكر القليونجية فيدهمون الإنسان ويدخلون عليه في بيته مثل التجريدة الخمسة والعشرة بأيديهم البنادق والأسلحة بوجوه عابسة فيشاغلهم ويلاطفهم ويلين خواطرهم بالإكرام فلا يزدادون إلا قسوة وفظاظة فيعدهم على وقت آخر فيسمعونه قبيح القول ويشتطون في أجرة طريقهم وربما لم يجدوا صاحب الدار أو يكون مسافرًا فيدخلون الدار وليس فيها إلا النساء ويحصل منهم ما لا خير فيه من الهجوم عليهن وربما نططن من الحيطان أو ربما هربن الى بيوت الجيران وسافر رضوان بك قرابة علي بك الكبير الى المنوفية وأنزل بها كل بلية وعسف بالقرى عسفًا عنيفًا قبيحًا بأخذ البلص والتساويف وطلب الكلف الخارجة عن المعقول الى أن وصل الى رشيد ثم رجع الى مولد السيد البدوي بطندتا ثم عاد وفي كل مرة من مروره يستأنف العسف والجور وكذلك قاسم بك بالشرقية وعلي بك الحسني بالغربية وقلد اسمعيل بك مصطفى كاشف المرابط بقلعة طرا فعسف بالمسافرين الذاهبين والآيبين الى جهة قبلي فلا تمر عليه سفينة صاعدة أو منحدرة إلا طلبها إليه وأمر بإخراج ما فيها وتفتيشها بحجة أخذهم الاحتياجات للأمراء القبليين من الثيابوغيرها أو إرسالهم أشياء أو دراهم لبيوتهم فإن وجد بالسفينة شيئًا من ذلك نهب ما فيها من مال المسافرين والمتسببين وأخذه عن آخره وقبض عليهم وعلى الريس وحبسهم ونكل بهم ولا يطلقهم إلا بمصلحة وإن لم يجد شيئًا فيه شبهة أخذ من السفينة ما اختاره وحجزهم فلا يطلقهم إلا بمال يأخذه منهم وتحقق الناس فعله فصانعوه ابتداء تقية لشره وحفظًا لمالهم ومتاعهم فكان الذي يريد السفر الى قبلي بتجارة أو متاع يذهب إليه ببعض الوسائط ويصالحه بما يطيب به خاطره ويمر بسلام فلا يعرض له وكذلك الواصلون من قبلي يأتون طائعين الى تحت القلعة ويطلع إليه الريس والمسافرون فيصالحونه وعلم الناس هذه القاعدة واتبعوها وارتاحوا عليها في الجملة واستعوضوا الخسارة من غلو الأثمان وكذلك فعل نساء سائر الأمراء القبليين وهادينه وأرشونه عن إرسالهن الى أزواجهن من الملابس والأمتعة سرًا حتى كانوا في الآخر يرسلن إليه ما يرمن إرساله وهو يرسله بمعرفته وتأتي أجوبتهم على يده الى بيوتهن خفية واتخذ له يدًا وجميلًا وطوقهم منته بذلك وشاع في بلاد الأرنؤد وجبال الروملي رغبة اسمعيل بك في العساكر فوفدوا عليه بأشكالهم المختلفة وطباعهم المنحرفة وعدم أديانهم وانعكاس أوضاعهم فأسكن منهم طائفة بالجيزة وطائفة ببولاق وطائفة بمصر العتيقة وأجرى عليهم النفقات والعلوفات وجلب له الياسيرجية المماليك فاشترى منهم عدة وافرة وأكثرهم عزق ومشنبون وأجناس غير معهودة واستعملهم من أول وهلة في الفروسية ولم يدربهم في آداب ولا معرفة دين ولا كتاب كل ذلك حرصًا على مقاومة الأعداء وتكثير الجيش وتابع إرسال الهدايا والأموال والتحف الى الدولة وأحضر السروجية والصواغ والعقادين فوضعوا ستة سروج للسلطان وأولاده وذلك قبل موت السلطان عبد الحميد على طريقة وضع سروج المصريين بعبايات مزركشة وهي مع السرج والقصعة والقربوص مرصعة بالجواهر والبروق والذهب والركابات واللجامات والبلامات والشماريخ والسلاسل كلها من الذهب البندقي الكسر والرأس والرشمات كلها من الحرير المصنوع بالمخيش وسلوك الذهب وشماريخ المرجان والزمرد وجميع الشراريب من القصب المخيش وبها تعاليق المرجان والمعادن صناعة بديعة وكلفة ثمينة أقاموا في صناعة ذلك عدة أيام ببيت محمد آغا البارودي واشترى كثيرًا من الأواني والقدور الصيني الأسكي معدن وملأها بأنواع الشربات المصنوع من السكر المكرر كشراب البنفسج والورد والحماض والصندل المطيب بالمسك والعنبر وماء الورد والمربيات الهندية مثل مربى القرنفل وجوزبوا والبسباسة والزنجبيل والكابلي وأرسل ذلك مع الخزينة بالبحر صحبة عثمان كتخدا عزبان ومعها عدة خيول من الجياد وأقمشة هندية وعود وعنبر وظرائف وأرزوبن وأفاويه وماء الورد المكرر وغير ذلك ولم يتفق لأحد فيما تقدم من أمراء مصر أرسل مثل ذلك ولم نسمع به ولم نره في تاريخ فإن نهاية ما رأينا أن الأشربة يضعونها في ظروف من الفخار التي قيمة الظرف منها خمسة أنصاف أو عشرة حتى الذي يأتي من اسلامبول لخصوص السلطان وأما هذه فأقل ما فيها يساوي مائة دينار وأكثر من ذلك‏.‏

ومات في هذه السنة العلامة الماهر الحيسوب الفلكي أبو الإتقان الشيخ مصطفى الخياط صناعة أدرك الطبقة الأولى من أرباب الفن مثل رضوان أفندي ويوسف الكلارجي والشيخ محمد النشيلي والكرتلي والشيخ رمضان الخوانكي والشيخ محمد الغمري والشيخ الوالد حسن الجبرتي وأخذ عنهم وتلقى منهم ومهر في الحساب والتقويم وحل الأزياج والتحاويل والحل والتركيب وتحاويل السنين وتداخل التواريخ الخمسة واستخراج بعضها من بعض وتواقيعها وكبائسها وبسائطها ومواسمها ودلائل الأحكام والمناظرات ومظنات الكسوف والخسوف واستخراج أوقاتها ودقائقها مع الضبط والتحرير وصحة الحدس وعدم الخطأ وأقر له أشياخه ومعاصروه بالإتقان والمعرفة وانفرد بعد أشياخه ووفد عليه طلاب الفن وتلقوا عنه وأنجبوا وأجلهم عصرينا وشيخنا العلامة المتقن الشيخ عثمان ابن سالم الورداني أطال الله بقاءه ونفع به ولازم المترجم المرحوم الوالد مدة مديدة وتلقى عنه وحج معه في سنة ثلاث وخمسين ومائة وألف وسمعته يقول عنه الشيخ مصطفى فريد عصره في الحسابيات والشيخ محمد النشيلي في الرسميات وحسن أفندي قطه مسكين في دلائل الأحكام وكان يستخرج في كل عام دستور السنة من مقومات السيارة ومواقع التواريخ وتواقيع القبط والمواسم والأهلة ويعرب السنة الشمسية لنفع العامة وينقل منها نسخًا كثيرة يتناولها الخاص والعام يعلمون منها الأهلة وأوائل الشهور العربية والقبطية والرومية والعبرانية والتواقيع والمواسم وتحاويل البروج وغير ذلك والتمس منه الأستاذ سيدي أبو الإمداد أحمد بن وفا تحريك الكواكب الثابتة لغاية سنة ثمانين ومائة وألف فأجابه الى ذلك واشتغل به أشهرًا حتى أتم حساب أطولها وعروضها وجهاتها ودرجات ممرها ومطالع غروبها وشروقها وتوسطها وأبعادها ومواضعها بأفق عرض مصر بغاية التحقيق والتدقيق على أصول الرصد الجديد السمرقندي وقام له الأستاذ بأوده ومصرفه ولوازم عياله مدة اشتغاله بذلك وأجازه على ذلك إجازة سنية ومات سلطان الزمان السلطان عبد الحميد بن أحمد خان وتولى بعده ابن أخيه السلطان سليم ودخلت سنة أربع ومائتين وألف في المحرم وصلت الأخبار بأن الموسقو آغا روا على عدة قلاع وممالك إسلامية منها جهات الأوزي وكانت تغل على اسلامبول كالصعيد على مصر وان الاسلامبول واقع بها غلاء عظيم‏.‏

وفي أواخره حضر واحد آغا وبيده مرسومات بسبب الأمراء القبليين بأنهم إن كانوا تعدوا الجهات التي صالحوا عليها حسن باشا ولم يدفعوا المال ولا الغلال فلازم من محاربتهم ومقاتلتهم وإن لم يمتثلوا يخرجوا إليهم ويقاتلوهم فإن السلطان أقسم بالله أنه يزيل الفريقين ولا يقبل عذرهم في التأخير فقرأوا تلك المرسومات في الديوان ثم أرسلوها مع مكاتبات صحبة واحد مصرلي وآخر من طرف الآغا القادم بها وآخر من طرف الباشا‏.‏

وفي أوائل ربيع الأول رجع الرسل بجوابات من الأمراء القبليين ملخصها أنهم لم يتعدوا ما حدوده مع حسن باشا إلا بأوامر من عابدي باشا فإنه حدد لنا من منفلوط ثم اسمعيل بك بنى حاجزًا وقلاعًا وأسوارًا بطرا وذلك دليل وقرينة على أن ما راء ذلك يكون لنا وأنه اختص بالأقاليم البحرية وترك لنا الأقاليم القلبية ولا مزية للأمراء الكائنين بمصر علينا فإنه يجمعنا وإياهم أصل واحد وجنس واحد وإن كنا ظلمة فهم أظلم منا وأما الغلال والمال فإننا أرسلنا لهم جانب غلال فلم ترجع المراكب التي أرسلناها ثانيًا فيرسلوا لنا مراكب ونحن نعبيها ونرسلها وذكروا أيضًا أنهم أرسلوا صالح آغا كتخدا الجاويشية سابقًا الى اسلامبول ونحن في انتظار رجوعه بالجواب فعند رجوعه يكون العمل بمقتضى ما يأتي به من المرسومات ولا نخالف أمر السلطان‏.‏

وفي شهر جمادى الأولى وردت أخبار بعزل وزير الدولة وشيخ الإسلام وآغات الينكجرية ونفيهم وأن حسن باشا تولى الصدارة وهو بالسفر وأنه محصور بمكان يقال له اسمعيل لأن الموسقو أغاروا على ما وراء اسمعيل وأخذوا ما بعده من البلاد ثم أنه هادن الموسقو وصالحهم على خمسة أشهر الى خروج الشتاء وأن السلطان أحضر الأمراء المصرلية الرهائن المنفيين بقلعة ليميا وهم عبد الرحمن بك الابراهيمي وعثمان بك المرادي وسليمان كاشف وأما حسين بك فإنه مات بليميا ولما حضروا أنزلوهم في قناقات وعين لهم رواتب ويحضرهم السلطان في بعض الأحيان الى الميدان ويعملوا رماحة بالخيول وهو ينظر إليهم ويعجبه ذلك ويعطيهم أنعامًا وورد الخبر أيضًا أن صالح آغا وصل الى اسلامبول فصالح على الأمراء القبالي وتم الأمر بواسطة نعمان أفندي نجم باشا ومحمود بك وأرسلوا بالأوراق الى حسن باشا فحنق لذلك ولم يمضه وانحرف علي نعمان أفندي ومحمود بك وأمر بعزلهما من مناصبهما ونفيهما وإخراجهما من دار السلطنة فنفى نعمان أفندي الى أماسيه ومحمود بك الى جهة قريبة من اسلامبول وشاط طبيخهم وسافر صالح آغا من اسلامبول وفي شهر شعبان ورد الخبر بموت حسن باشا وكان موته في منتصف رجب وكأنه مات مقهورًا من الموسقو‏.‏

وفي ثاني عشر رمضان حصل زلزلة لطيفة في سادس ساعة من الليل‏.‏

وفيه أيضًا وصل ثلاثة أشخاص من الديار الرومية فأخذوا ودائع كانت لحسن باشا بمصر فتسلموها ممن كانت تحت أيديهم ورجعوا‏.‏

وفي ليلة الجمعة ثالث عشر شوال قبل الفجر احترق بيت اسمعيل بك عن آخره‏.‏

وفي خامس عشرينه عزل حسن كتخدا المحتسب من الحسبة وقلدوها رضوان آغا محرم من وجاق الجاويشية فأنهى حسن آغا أنه كان متكفلًا بجراية الجامع الأزهر فإن كان المتولي يتكفل بها مثله استمر فيها وإلا ردوا له المنصب وهو يقوم بها للمجاورين كما كان فلما قالوا لرضوان آغا ذلك فلم يسعه إلا القيام بذلك وهي دسيسة شيطانية لا أصل فإن أخبار الجامع الأزهر لها جهات بعضها معطل والناظر عليه علي بك الدفتردار وحسن آغا كتخداه يصل ويقطع من أي جهة أراد من الميري أو من خلافه فدس هذه الدسيسة يريد بها تعجيز المتولي ليرجع إليه المنصب ومعلوم أن المتولي لم يتقلد ذلك إلا برشوة دفعها ويلزم من نزوله عنها ضياع غرامته وجرسته بين أقرانه فما وسعه إلا القيام بذلك وفردها على مظالم الحسبة التي يأخذها من السوقة ويدفعها للخباز يصنع بها خبزًا للمجاورين والمنقطعين في طلب العلم ليكون قوتهم وطعامهم من الظلم والسحت المكرر وذلك نحو خمسة آلاف نصف فضة في كل يوم واشتهر ذلك وعلمه العلماء والمجاورون وغيرهم وربما طالبوه بالمنكسر أو اعتذروا بقولهم الضرورات تبيح المحظورات‏.‏

وفي ليلة السبت ثالث شهر الحجة الموافق لعاشر مسرى القبطي أوفى النيل أذرعه وكسر السد بحضرة الباشا والأمراء على العادة وجرى الماء في الخليج‏.‏

وفيه وقعت واقعة بين عسكر القليونجية والأرنؤدية بسوق السلاح وقتل بينهم جماعة من الفريقين ثم تحزبوا أحزابًا فكان كل من واجه حزبًا من الطائفة الأخرى أو انفرد ببعض منها قتلوه ووقع بينهم ما لا خير فيه وداخل الناس الخوف من ذلك فيكون الإنسان مارًا بالطريق فلا يشعر إلا وكرشة وطائفة مقبلة وبأيديهم البنادق والرصاص وهم قاصدون طائفة من أخصامهم بلغهم أنهم في طريق من الطرق واستمر هذا الأمر بينهم نحو خمسة أيام ثم أدرك القضية اسمعيل بك وفي أواخره حضر جماعة من الأرنؤد الى بيت محمد آغا البارودي وقبضوا منه مبلغ دراهم من علوفتهم ونزلوا عند الخليج المرخم وازدحموا في المركب فانقلب بهم وغرق منهم نحو ستة أنفار وقيل تسعة وطلع من طلع في أسوأ حال‏.‏

ذكر من مات في هذه السنة ومات في هذه السنة العلامة الرحالة الفهامة الفقيه المحدث المفسر المحقق المتبحر الصوفي الصالح الشيخ سليمان بن عمر بن منصور العجيلي الشافعي الأزهري المعروف بالجمل ويعرف أبوه وجده بشتت ولد بمنية عجيل إحدى قرى الغربية وورد مصر ولازم الشيخ الحفني فشملته بركته وأخذ عنه طريق الخلوتية ولقنه الأسماء وأذن له واستخلفه وتفقه عليه وعلى غيره من فضلاء العصر مثل الشيخ عطية الأجهوري ولازم دروسه كثيرًا واشتهر بالصلاح وعفة النفس ونوه الشيخ الحفني بشأنه وجعله إمامًا وخطيبًا بالمسجد الملاصق لمنزله على الخليج ودرس بالأشرفية والمشهد الحسيني في الفقه والحديث والتفسير وكثرت عليه الطلبة وضبطت من إملائه وتقريراته وقرأ المواهب والشمائل وصحيح البخاري وتفسير الجلالين بالمشهد الحسيني بين المغرب والعشاء وحضره أكبر الطلبة ولم يتزوج وفي آخر أمره تقشف في ملبسه ولبس كساء صوف وعمامة صوف وطلسانًا كذلك واشتهر بالزهد والصلاح ويتردد كثيرًا لزيارات المشايخ والأولياء ولم يزل على حاله حتى توفي في حادي عشر القعدة من السنة‏.‏

ومات الإمام الفاضل العلامة الصالح المتجرد القانع الصوفي الشيخ علي ابن عمر بن أحمد بن عمر بن ناجي بن فنيش العوني الميهي الشافعي الضرير نزيل طندتا ولد بالميه إحدى قرى مصر وأول من قدمها جده فنيش وكان مجذوبًا من بني العونة العرب المشهورين بالبحيرة فتزوج بها وحفظ المترجم القرآن وقدم الجامع الأزهر وجوده على بعض القراء واشتغل بالعلم على مشايخ عصره ونزل طندتاء فتديرها ودرس العلم بالمسجد المجاور وللمقام الأحمدي وانتفع به الطلبة وآل به الأمر الى أن صار شيخ العلماء هناك وتعلم عليه غالب من بالبلد علم التجويد وهو فقيه مجود ماهر حسن التقرير جيد الحافظة يحفظ كثيرًا من النقول الغريبة وفيه أنس وتواضع وتقشف وانكسار وورد مصر في المحرم من هذه السنة ثم عاد الى طندتاء وتوفي في ثاني عشر ربيع الأول من السنة ولم يتعلل كثيرًا ودفن بجانب قبر سيدي مرزوق من أولاد غازي في مقام مبني عليه رحمه الله تعالى‏.‏

ومات الفاضل التحرير الذي وقف الأدب عند بابه ولاذت أربابه بأعتابه النبيه النبيل واللوذعي الجليل قاسم بن عطاء الله المصري الأديب ولد بمصر وبها نشأ وقرأ في الفنون على بعض أهل عصره وحفظ الملحة والألفية وغيرهما واشتهر بفن الأدب والتوشيخ والزجل وكان يعرف أولًا بالزجال أيضًا لإتقانه فيه وصار وحيد عصره في هذه الفنون بحيث لا يجاريه أحد مع ما لديه من الارتجال في الشعر مع غاية الحسن وأما في فن التاريخ فإليه المنتهى مع السلاسة والتناسب وعدم التكلف فيه‏.‏

ومات الخواجا المعظم والناخودة المكرم الحاج أحمد آغا بن ملا مصطفى الملطيلي كان من أعيان التجار المشهورين وأرباب أهل الوجاهة المعتبرين عمدة في بابه عدة لأحبابه ومن يلوذ بجنابه وينتمي لسدته وأعتابه محتشمًا في نفسه مبجلًا بين أبناء جنسه توفي يوم الأربعاء ثاني عشرين القعدة ولم يخلف بعده مثله‏.‏

ومات صاحبنا النبيه المفوه الفصيح المتكلم الكاتب المنشئ حسين ابن محمد المعروف بدرب الشمسي وهو أحد أخوة حسن أفندي من بيت المجد والرياسة والشرف والفضيلة وكان من نوادر العصر في الفصاحة واستحضار المسائل الغريبة والنكات والفوائد الفقهية الطبية وعنده حرص على صيد الشوادر وأدرك بمصر أوقاتًا ولذات في الأيام السابقة قبل أن يخرجهم علي بك من مصر في سنة اثنتين وثمانين ونفيهم الى الحجاز وبعد رجوعهم في سنة سبع وثمانين ولكن دون ذلك ولم يزل يرفل في حلل السيادة حتى تعلل نحو عشرين يومًا وتوفي في شهر رمضان من السنة وصلي عليه بمصلى أيوب بك ودفن عند أسلافه وخلفه من بعده ابنه حسن جربجي الموجود الآن بارك الله فيه ورحم سلفه‏.‏ ومات